اسماعيل بن محمد القونوي
264
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الهداية وحمل المشيئة المذكورة على القسر والإلجاء وقال لأن تعقيب فَذُوقُوا [ السجدة : 14 ] بنسبة النسيان إليهم وجعله سببا للإذاقة دال على أن المشيئة المطلقة مقيدة هنا بقيد الإلجاء والقسر ولا يلزم من انتفاء المشيئة القسرية انتفاء المشيئة على سبيل التفويض فرده المص بأن المراد مطلق المشيئة إذ لا قرينة على التقييد وما ذكره من القرينة وهي قوله تعالى : فَذُوقُوا الْعَذابَ [ الأحقاف : 34 ] سيجيء جوابه فعدم المشيئة سبب لعدم إيمانهم ومسبب عن سبق حكم اللّه تعالى إذ لا مانع من تسبب أزلي لأزلي آخر واستوضح بالتكوين وسائر الصفات فإنه يقتضي التقدم الرتبي والطبيعي دون الزماني والعدم المضاف إلى الملكات يحتاج إلى السبب ويتعلق به الايجاد كما صرح به المص في أوائل سورة الأنعام واللام في لَأَمْلَأَنَّ [ السجدة : 13 ] جواب القسم المذكور : مِنَ الْجِنَّةِ [ السجدة : 13 ] قدمت لأنهم أقدم وجودا وطغيانا ولذا قدمت كلما جمعت مع الإنس وقيل لأن المقام مقام تحقير أَجْمَعِينَ [ السجدة : 13 ] أي من عصاتهما أجمعين أو منهما أجمعين لا من أحدهما أي لأملأن من ذينك النوعين جميعا أو لعموم الإفراد من عصابتهما . قوله تعالى : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 14 ] فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) قوله : ( ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسببا عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها بقوله : فَذُوقُوا [ السجدة : 14 ] الخ ) ولا يدفعه الخ أي لا يدفع كون عدم المشيئة سببا لعدم إيمانهم ومسببا عن سبق القضاء جعل ذوق العذاب مسببا عن نسيانهم العاقبة الخ . قوله : ( فإنه من الوسائط والأسباب المقتضية له ) علة لعدم الدفع أي فإنه أي النسيان المذكور من الوسائط المقتضية للذوق المذكور وليس من السبب الحقيقي حتى يعارض كون عدم المشيئة وسبق قضائه سببا لعدم إيمانهم وكلمة الفاء في فَذُوقُوا [ السجدة : 14 ] تدل على أن سبب الذوق ما سبق والباء في قوله تعالى : بِما نَسِيتُمْ [ السجدة : 14 ] للإشعار بأن تعذيبهم ليس لسبق القضاء وسبق الوعيد فقط بل هو سبب حين كان مقارنا لسبب موجب بسبب الوعيد من قبلهم باختيارهم كأنه حق وثبت وعيدي فإذا كان الأمر كذلك فذوقوا بسبب المعاصي المسببة عن نسيانكم لقاء هذا اليوم الذي تشخص فيه الأبصار والحاصل أن النسيان علة للذوق المعلل فالنسيان سبب للسبب في الحقيقة وله نظائر كثيرة في القرآن المجيد وفي كلام البليغ الحميد فلا يكون هذا قرينة على تقييد المشيئة بالالجاء والقسر كما زعم الزمخشري وهذا هو الموعود فيما سبق من أن ما زعم أنه قرينة سيجيء جوابه وهذا هو الظاهر من كلمة الفاء فإنه داخل في المسبب والسبب ما قبله والزمخشري قد اعترفه في مثل هذا الكلام والذوق مستعار هنا تهكما .